يرصد كاتب التقرير كيف تحوّلت نكتة مصرية قديمة من عهد الستينيات إلى مشهد واقعي في السنوات الأخيرة، إذ لم يعد استهداف المتهمين وحدهم هو القاعدة، بل صار المحامون والمدافعون عن حقوق الإنسان أنفسهم داخل دائرة الملاحقة. وتظهر هذه الفكرة بوضوح في قضية الدكتورة عايدة سيف الدولة، مديرة مركز النديم لتأهيل ضحايا العنف والتعذيب، التي خضعت للتحقيق في القضية رقم 809 لسنة 2026 حصر أمن دولة عليا، قبل أن تقرر النيابة إخلاء سبيلها بكفالة قدرها 100 ألف جنيه. ووفق ما أعلنته محاميتها ماهينور المصري، واجهت عايدة اتهامات بنشر أخبار كاذبة بقصد الإخلال بالنظام العام، على خلفية تقرير أصدره المركز عن التحرش والتعذيب في أماكن الاحتجاز خلال 2025.


وتوضح درج أن التقرير الذي استندت إليه التحقيقات وثّق، بحسب عايدة سيف الدولة، 188 واقعة واستغاثة داخل مقار الاحتجاز خلال عام 2025، وتناول أنماطًا من التعذيب وسوء المعاملة لم تقتصر على السجون وحدها، بل امتدت إلى جهات قضائية يفترض أن يلجأ إليها المواطن طلبًا للإنصاف. كما أشار التقرير إلى أوضاع قاسية داخل قطاع 2 بسجن بدر 3، الذي وصفته بأنه “ثقب أسود” بسبب العزل الكامل، وحرمان المحتجزين من الزيارات والرعاية الصحية والتريض لفترات طويلة.


من ملاحقة التقارير إلى ملاحقة أصحابها


يرى التقرير أن قضية عايدة سيف الدولة لا تمثل استثناءً، بل تأتي ضمن نمط أوسع طال المدافعين عن حقوق الإنسان بعد 30 يونيو، خاصة المحامين الذين يدافعون عن المحتجزين السياسيين. ويستشهد الكاتب بحالة المحامي محمد الباقر، المدير السابق والمؤسس المشارك لمركز عدالة للحقوق والحريات، الذي أُلقي القبض عليه في سبتمبر 2019 أثناء حضوره جلسة تحقيق مع الناشط علاء عبد الفتاح، ثم أُدرج في القضية نفسها رقم 1356 أمن دولة عليا، تحت اتهامات الانضمام إلى جماعة إرهابية ونشر أخبار كاذبة.


وبعد أربع سنوات قضاها في السجن، خرج الباقر بعفو رئاسي في يوليو 2023، لكن الملاحقة لم تتوقف. ففي نوفمبر 2025 أدرجت السلطات اسمه على قوائم الإرهاب لمدة خمس سنوات، رغم مرور أكثر من عامين على خروجه. كما شمل العفو نفسه الناشط باتريك زكي، الذي واجه حكمًا بالحبس ثلاث سنوات بسبب مقال نشره في درج عن الانتهاكات ضد الأقباط في مصر عام 2019. وكان زكي قد تعرّض للتعذيب عقب توقيفه في مطار القاهرة في فبراير 2020 لدى عودته من إيطاليا، حيث كان يدرس الماجستير، ثم بقي رهن الحبس الاحتياطي 22 شهرًا قبل صدور الحكم والعفو عنه بعدها بيوم واحد.


المحامون أيضًا في مرمى الاستهداف


يمتد هذا المسار، وفق التقرير، إلى المحامية ماهينور المصري، التي واجهت هي الأخرى الاحتجاز بعد خروجها من مقر نيابة أمن الدولة، عقب حضورها تحقيقات تخص موقوفين على خلفية احتجاجات سبتمبر 2019. وبعد الإفراج عنها في يوليو 2021، استمرت الضغوط عليها، إذ استدعيت في أغسطس 2025 على خلفية 13 بلاغًا قُدمت خلال أيام قليلة، من دون أن تتمكن هي أو فريق دفاعها من الاطلاع عليها، وانتهى الأمر بإخلاء سبيلها بكفالة 50 ألف جنيه في رابع قضية تواجهها منذ 2019.


كما يسلط التقرير الضوء على الضغوط المستمرة التي طالت المبادرة المصرية للحقوق الشخصية. فقد واجه مديرها المؤسس حسام بهجت منعًا من السفر وتجميدًا للأصول منذ 2016، ثم غرامة في 2021 بتهمة إهانة الهيئة الوطنية للانتخابات ونشر أخبار كاذبة. وفي 2020 ألقت السلطات القبض على المدير التنفيذي جاسر عبد الرازق، ومدير وحدة العدالة الجنائية كريم عنارة، والمدير الإداري محمد بشير، قبل الإفراج عنهم لاحقًا. لكن القيود المالية وقيود السفر استمرت، بل أعادت السلطات القبض على كريم عنارة لاحقًا في الساحل الشمالي بعد رفضه تفتيش هاتفه، ثم أخلت سبيله في أغسطس 2025.


الاستراتيجية الرسمية والواقع الفعلي


يبرز التقرير أيضًا حالة المحامية هدى عبد المنعم، التي تعد من أكثر المدافعات عن حقوق الإنسان تضررًا. فقد اعتُقلت في 2018، واختفت قسريًا 21 يومًا، ثم واجهت اتهامات بالانضمام إلى جماعة إرهابية، قبل أن يصدر بحقها حكم بالسجن خمس سنوات في القضية المعروفة إعلاميًا بقضية “التنسيقية المصرية للحقوق والحريات”. وحين انتهت مدة العقوبة، لم تخرج من السجن، بل أعيد تدويرها في قضية جديدة بالتهم نفسها، ثم نُقلت إلى قضية ثالثة في نوفمبر 2024، رغم تدهور حالتها الصحية.


ويعود التقرير إلى ما قبل 2013 ليذكّر بقضية “التمويل الأجنبي” التي طالت 85 منظمة حقوقية مصرية ونحو 300 من العاملين فيها منذ 2011، حيث فُرضت على كثيرين منهم قيود سفر وتجميد أموال استمرت 13 عامًا، قبل أن تغلق القضية في يناير 2024 بألا وجه لإقامة الدعوى، من دون أي تعويض.


ويخلص الكاتب إلى أن إطلاق الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان في 2021 لم ينعكس في حماية المدافعين عن الحقوق، إذ صار العمل الحقوقي نفسه، من إعداد تقرير إلى الدفاع عن محتجز، سببًا كافيًا لوضع أصحابه تحت طائلة الملاحقة.

 

https://daraj.media/en/when-a-joke-from-the-sixties-becomes-reality-egypts-crackdown-on-rights-defenders/